محمد المختار ولد أباه

90

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

وكتاب من هذا النوع ، أنشئ في هذه المرحلة من تطور العلم ، لا ننتظر منه أن يكون سهلا على كل قارئ ، هذا ما يعبر عنه العلماء بقوله لمن يريد دراسته « هل ركبت البحر » مثل ما كان يروي عن المبرد « 1 » . والشبه واضح بين البحر وبين الكتاب ، فهو خضم ، زاخر صعب ، ولا غرو أن يعتقد النحاة أن اسم « الكتاب » صار علما على هذا المصنف الفريد ، أنه فريد في عصره وفي شكله . ولا غرو أيضا أن يعتقد مناهضوه في المدرسة الكوفية ، أنه ليس في إمكان شخص واحد أن يقوم بمثل العمل العظيم . ويروى عن بعضهم قوله إنه قد اجتمع على صنعه اثنان وأربعون إنسانا منهم سيبويه « 2 » . ولا غرو كذلك أن يسميه أتباعه من البصريين « البحر » حتى إن المازني الذي تخرق هذا الكتاب في كمه يقول « من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد سيبويه فليستح » « 3 » . هذا الكتاب شغل الناس طيلة قرون ، فيقال إن الفراء ، وهو من خصومه ، مات والكتاب تحت وسادته . وكان أبو الطيب اللغوي يسميه « قرآن النحو » ويقول السيرافي عنه « إنه لم يسبق إلى مثله أحد قبله ، ولم يلحق به من بعده » « 4 » ، ومن أبلغ ما قيل فيه وفي مؤلفه قول الزمخشري : ألا صلّى الاله صلاة صدق * على عمرو بن عثمان بن قنبر فإن كتابه لم يغن عنه * بنو قلم ولا أنداء منبر « 5 » والعناية المتواصلة التي أولاها النحويون لهذا الكتاب تعود إلى العوالم التالية : أولا : وضعه التاريخي إذ أنه أول ما وصل إلينا من المؤلفات النحوية .

--> ( 1 ) راجع ابن النديم : الفهرست 83 ، وابن الأنباري : النزهة ص 55 . ( 2 ) ابن النديم : الفهرست ص 82 . ( 3 ) ابن الأنباري : النزهة ص 56 . ( 4 ) السيرافي ص 64 . ( 5 ) السيوطي : بغية الوعاة ج 2 ص 266 .